محمد المقداد الورتتاني
91
البرنس في باريس
يوم السفر من تونس إلى فرانسا قطعت تذكرة السفر من شركة الملاحة المسماة لا طرانز أتلانتيك على طريق إدارة النيابة الأجنبية « لا جانس طرانجي » في الدرجة الثانية بحرا وبرا من القيروان إلى القيروان . وعينت الخطوط والبلدان التي أمر بها وأجرة الكراء برا بحساب الأميال ، وكلما كثرت قل الكراء ، ويدفع مسبقا بتخفيض محدود يقارب الثلث لو دفع المسافر أجرة الركوب إلى كل بلد في مراكز الدفع ويسمى ( بايي سركلاير ) . كما أن الشركة تتولى قبض معلوم الركوب في البحر ثلاثة فرنكات . وكان الفاضل الثقة الشيخ أحمد ابن سعيد المحصل على شهادات التطويع والخلدونية واللغة الفرنساوية قد عزم على السفر لفرانسا ، فعقدنا النية على الترافق وعزمنا على المصاحبة في السفر إلى أروبا ، وهو من أحسن الناس معاشرة وأصفى مودة وأنزه طوية وأبعد عن التداخل في الخصوصية . ذلك كله بعد أن قدمت مطلبا إلى النيابة المذكورة قبل السفر بمدة وعينت لها يوم الركوب وهو من لوازم المسافر ليأخذ فراشا في السفينة ، إذ قد لا يجد مكانا للكراء يوم السفر إذا أخر الطلب ، وبالأخص في أيام المصيف التي يكثر فيها المسافرون الأروباويون إلى مرسيليا رجوعا إلى لدات الأوطان ونعيم المصيف ، فيجمعون بين الوطن والوطر ، يصطافون بلد الثلج ويشتون بلد التمر . وركبت يوم الجمعة مساء على الساعة الثانية بعد الزوال في السفينة المسماة بلد الجزائر « فيل دالجي » ، ووادعنا بعض من الأقارب من بينهم الشيخ سيدي عمر الورتتاني ولمة من الأصدقاء والأخلاء ، منهم الأكمل النحرير الشيخ سيدي الطاهر ابن عاشور قاضي قضاة المملكة التونسية فيما بعد ، والمفضال الإمام سيدي محمود محسن الشريف ، وشقيقه الأكمل الإمام سيدي علي محسن . ورأيت كثيرا من الأحباب بعد صعودي ظهر السفينة قرب الأقلاع ليتمكنوا من مقابلتي ، جازى الله جميعهم خيرا . وقوة الوداد ، إنما تظهر في وداع وتلقي المسافر من البعاد . وتلك الذوات آخر ما يبقى بخياله في الاغتراب ، وأول ما يسر بها عند الإياب . كما أن الإعانات المادية والأدبية والإرشادات المفيدة للمسافر التي أمدنا بها كثير من أهل الكمال والوداد مما رسخت في نفوسنا التي أثر عليها ذلك الحنو والانعطاف